السيد محمد حسين فضل الله

358

من وحي القرآن

تحذير للمسلمين من التساهل في أمر المنازعات الداخليّة وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً « 1 » . إنها الدّعوة لأن يواجه المؤمنون المشاكل الفردية والاجتماعية الناشئة من بعض الانحرافات الفكرية والعملية التي تؤدّي إلى نتائج سلبية في حركة الحياة ، وذلك بالتعامل معها من موقع المسؤولية العامة الواعية للقاعدة الاجتماعية التي تحكم مسيرة المجتمع في سلبيّاته وإيجابيّاته ، فلا تقتصر في تأثيراته على الناس الذين يقومون بها ، بل تمتد إلى كل أفراد المجتمع ، لأن علاقات الناس ومصالحهم متشابكة . ولهذا فإننا نجد الخلافات التي تحدث في دائرة ضيقة من دوائر المجتمع ، لا تقتصر على تلك الدائرة ، بل تتعداها إلى بقية الدوائر التي تتصل بها ، أو تتأثر بها شعوريا أو فكريا ، مما قد يدخل في نطاق العدوي ، أو التفاعل اللاشعوري بحكم الترابط الوثيق بين أفراده . ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو الطابع الحركي للمجتمع الإسلامي ، في ما يدفع إليه من تحمّل مسؤولية الآخرين في ما ينحرفون به ، حتى في المجالات البعيدة عن واقع الآمرين والناهين ، لأن القضية لا تخص الفاعلين المنحرفين ، بل تمتد إلى بقية قطاعات المجتمع بطريقة وبأخرى ، فلا يمكن لأفراده أن يواجهوه مواجهة اللامبالاة تحت شعار تقييد حرية الآخرين الفردية ، لأن هناك نوعا من أنواع حرية الأفراد قد يلغي حرية المجتمع كله . وهذا ما عبّرت عنه

--> ( 1 ) قرأ عليّ والباقر عليهما السّلام وكذا زيد بن ثابت والربيع بن أنس وأبو العالية - على ما في المجمع - : لتصيبنّ باللام ونون التوكيد الثقيلة ، والقراءة المشهورة : لا تصيبن بلا النافية ونون التوكيد الثقيلة . [ انظر : مجمع البيان : ج : 4 ، ص : 818 ] . وعلى كل تقدير ، فمآل المعنى واحد كما سنرى في سياق تفسيرنا لهذه الآية المباركة ، لجهة ما تحمله من تحذير للمسلمين من الاستهانة أو الاستخفاف بموضوع الخلافات الداخلية التي تهدد وحدتهم .